فنون

الإغراء فى السينما العربية – الحلقة الثامنة

الإغراء فى السينما العربية – الحلقة الثامنة

الإغراء فى السينما العربية – الحلقة الثامنة

جورجينا رزق ذلك الجمال الناجز

حتى الآن، برغم مرور أكثر من أربعة عقود على فوز اللبنانية جورجينا رزق بلقب ملكة جمال الكون (1971)، ما زالت “مضرب مثل” في الجمال. “مفكرني جورجينا رزق”، تنقل امرأة عن شخص يحبّها، كأن الحب يجعل المحبوب في مرتبة الملكات، “ربما احقق ما حققته جورجينا رزق”، تقول احدى الفائزات بلقب ملكة جمال لبنان، كأن الهدف أو الحلم الأسمى لفتيات الجمال في لبنان هو تجاوز لقب جورجينا التي وصلت الى الذروة.

جورجينا “الأمثولة” الجمالية – المديائية، التي كرمتها الجمهورية اللبنانية ذات يوم بطابع بريدي فلكلوري، يصف سمير قصير لحظات فوزها بلقبها العالمي في كتاب “تاريخ بيروت” قائلا: “تابعت بيروت عبر التلفزيون تتويج ملكتها (على عرش الجمال). في ذلك المساء، وعلى بعد ألوف الكيلومترات من ضفاف المتوسط، كانت ميامي تنصّب اللبنانية جورجينا رزق ملكة جمال الكون لعام 1971. في بلدان اخرى أيضا، كان لحدث مماثل ان يحتل صدارة الصفحات الأولى لكن سرعان ما كان انتقل الاهتمام الى أمور اخرى. أما هنا، فان التعطش للاعتراف، الذي كان يضخّم من أي انجاز يحرزه لبناني خارج الوطن، جعل من تلك السهرة أكثر من لحظة نشوة، حتى بدت تجسيداً لحلم في العالمية، وإن يكن محصوراً في دائرة الخفّة المنظمة. وكأن تتويج فتاة من بيروت جاء يكافئ، في أعين مواطنيها، هذا الجهد المديد الذي حدا بهم لعقود خلت إلى العيش على إيقاع الغرب في مختلف الميادين، من أكثرها جدية الى أسخفها”. لحظة النشوة ما زلت ماثلة بقوة في كل شيء في لبنان، تظهر في كل شيء، والتعطش للاعتراف ما زال الهدف الأبرز والملتبس للبنانيين، خصوصاً في مرحلة الفايسبوك.

عادت جورجينا الى لبنان منتصرة ومبتسمة. استقبلها موكب من سيارات الحكومة اللبنانية. شبه أحد المراقبين فوزها بالنسبة إلى العرب كعودتهم الى “بوابات فيينا”. يقال أن فندق السان جورج الشهير في بيروت خصص لها غرفة بمواصفات خيالية، اذ طليت مقابض أبوابها وحنفياتها بالذهب الخالص كما حمل باب الغرفة الرئيسي الحرفين الأولين من اسمها اللذين كتبا أيضا بأحرف ذهبية. كان الجميع يريد التعرف إلى الفتاة ذات الشعر الأسود الطويل والعينين الخضراوين والفم الكبير والجسد “الأسطوري”. حتى جيمي كارتر، حاكم ولاية جورجيا قبل أن يصبح رئيساً. تحققت أمنيته وظهرت صورة له مع الملكة بفستان سهرة اسود عاري الكتفين.

كثرت الشائعات المرافقة لهذا الفوز، ذهب بعضهم الى التلميح بأن فوزها كان نتيجة تنسيق وتنظيم من وكالة الاستخبارات الاميركية او وكالات اخرى بغية استرضاء سياسي للعرب. يكتب احدهم “في سنوات انحسار المد القومي وبدء المد الإسلامي وبعيد النكسة (1967) بقليل توجت جورجينا رزق بلقب ملكة جمال الكون”. بينما يروي الكاتب فؤاد الهاشم: “كنت في سن الثامنة عشرة حين فازت الحسناء اللذيذة جورجينا رزق بلقب ملكة جمال الكون فانتشرت صورها على أغلفة كل مجلات العالم وصحفها، واصبحت مجلة “الشبكة” توزع أكثر من الجرائد الخليجية في دول الخليج!

جورجينا كانت شغفنا في الطفولة. ان نتأمل جورجينا في افلامها “السياحية” – التجارية الرديئة، أو أفلام البحر والمايوه، كانت فسحة “أمل” للكثير للبصبصة الشبابية، وفسحة شاعرية للتعويض عن الكبت في مراحل ما قبل ظهور الفضائيات. جورجينا الجميلة كانت جديرة بأن تكون نجمة لمجتمع الفرجة، استغل “جهابذة” الانتاج السينمائي شهرتها، ومنحوها البطولة في بعض الأعمال، منها فيلم “غيتار الحب” مع صباح وعمر خورشيد، حيث جسدت في هذا الفيلم دوراً جريئاً، وأثار الفيلم ضجة شديدة بسبب احتوائه على عدد من المشاهد يقال إنها “جريئة”، لم تكن السينما تريد نجومية جورجينا فحسب، بل تريدها بثياب البحر، كانت مشاهد عريها كافية للتغطية على فشلها في التمثيل، ولجذب أكبر عدد من الجمهور في مرحلة كانت السينما الشباك تعتاش على شهرة نجمة جميلة أو راقصة ساحرة. مثلت جورجينا مع المخرج عاطف سالم في فيلمين هما “باي باي يا حلوة” مع رشدي أباظة ومحمد عوض، ثم فيلمها الأشهر “الملكة وأنا ” مع محرم فؤاد. وعلى الرغم من قيامها بأدوار البطولة في الأعمال التي شاركت فيها، إلا أنها لم تستطع أن تثبت نفسها سينمائيا، لم تعد صورتها اكثر من نوستالجيا جميلة من دون اغواء.

جمال جورجينا كان يغوي السياسيين والعسكر، فعدا عن اعجاب جيمي كارتر بها، كتب عنها وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس كتاب شعر سماه “تراتيل” قائلاً: “الى قيصرة الجمال في القرن العشرين جورجينا رزق أرفع هذه التراتيل”. وكان طلاس استقبلها في تشرين 1982 في مكتبه في حين كان العالم منشغلاً بتداعيات الاجتياح الاسرائيلي للبنان، كأن وهج صاحب الجسد الأسطوري أقوى من النكسات والهزائم. قبل ذلك أصبحت جورجينا مأخذاً على بعض “الثوريين” فقد تزوجت ابو علي حسن سلامة “الأمير الأحمر” مسؤول أمن ياسر عرفات، صاحب الجسد الرياضي الذي كان معشوق النساء في بيروت، بصيته واسمه، وقد اغتالته اسرائيل عام 1979. أما الاعلامي المصري مفيد فوزي فكان له نظرة اخرى الى جورجينا والجميلات قائلا “لا توجد امرأة قبيحة، فكل امرأة تنطوى على نسبة ما من الجمال وتحتاج لإبرازها ولن يتأتى هذا إلا بوجود الذكاء. إن الذكاء كفيل بإضافة جمال غير منظور للمرأة. وإن خالفني فى هذا المنطق بطرس غالي الكبير لأنه يرى أن الجميلة الغبية، يغفر جمالها هذا الغباء المستوطن، وقد فتنت يوما بجورجينا رزق ملكة الكون وقابلتها فى لبنان ورحت أسألها أسئلة عامة وأحزنتني إجاباتها حينئذ. وقلت لنفسي سرا: كيف هذا الجمال الأسطوري يخاصم الذكاء؟! وقد غضبت يومئذ جورجينا رزق وقالت “فاكرني سعيد عقل؟”. أنا لم أسأل جورجينا عن أصل الكون ولكني سألتها عن أصل “شجرة الأرز” عنوان لبنان. أحسب أن كلام فوزي فيه نوع من التنميط، الشعبوي والثقافوي الركيك، فليس بالضرورة ان يرتبط الجمال بالذكاء او العكس، وليس بالضرورة محاكمة الآخرين من منظور ثقافوي…

جورجينا الحسناء شاهدة على مرحلة الخراب في السبعينات. مرحلة الاحلام الوردية وتحطمها في لبنان، هي صاحبة الجمال الأسطوري ولم تكن نجمة اغراء برغم ظهورها بالمايوه، لم تصل الى مستوى هند رستم أو سعاد حسني، ربما كانت تحتاج مخرجاً يعرف كيف يبرز مكامن الاغراء فيها لا العري والمايوه، بقيت جسداً بجمال خالص، ربما يندر أن نجده اليوم، او يندر أن يكرره الزمن، أو هي جميلة “أيام زمان” بحسب التعبير الممجوج، وربما تكون مجرد نموذج جمالي في بلد يتعطش للنوادر.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الأكثر قراءة

للأعلى