فنون

“قانون إيكا” الفيلم الذى لا يعرفه الكثيرون للراحل”محمود عبد العزيز”

"قانون إيكا" الفيلم الذى لا يعرفه الكثيرون للراحل"محمود عبد العزيز"

“قانون إيكا” الفيلم الذى لا يعرفه الكثيرون للراحل”محمود عبد العزيز”

أظن وصل لبعضكم إني كنت مُحتجَز في مديرية الأمن، 3 ليالٍ متواصلة بيحققوا معايا. أهم التهم اللي واجهوني بيها إني بحرضكم على الإضراب والتظاهر ضد النظام. في الحقيقة أنا اللى خضني مش التحقيق اللي عملوه معايا، لكن اللي رعبني هو فكر المسئولين عن التعليم عموما. هما للأسف متصورين إن الهدف الرئيسي للجامعة هو تخريج أكبر عدد من المواطنين التابعين للسلطة، وتوزيعهم على الهيئات والمصالح الحكومية، زى ما بيوزعوا الفراخ على المجمعات الاستهلاكية بالظبط، لكن ده بيتناقض مع نظرية التعليم لأن التعليم في أساسه هو بناء العقول وتكوين فكر جديد حر، لأن الحرية هي روح الأخلاق ومن غير أخلاق يبقى مفيش حرية، مفيش إخلاص، مفيش اهتمام ولا حتى واجب. لأننا عشان نلتزم بواجبنا لازم نلتزم بيه عن اقتناع مش عن خوف. دي وجهة نظري اللي قولتهالهم في التحقيق لكن للأسف مفهموهاش. لكن، إذا كنا بنتولد علشان نموت، يبقى على الأقل لازم نقول رأينا بحرية.. ونموت.

يبدأ الفيلم بمشهد لاجتماع أعضاء هيئة التدريس بكلية الحقوق، الاجتماع على صفيح ساخن لأن دكتور «حسين مرسي» أحد أساتذة القانون محتجز منذ ثلاثة أيام لدى أجهزة الأمن، يتناثر الكلام حول غضب الأساتذة مما تفعله السلطة، فيما يعبر أحد الأساتذة عن غضبه قائلا أن السلطة التي لا تحترم القانون هي «سلطة فاقدة للشرعية». يظهر الأستاذ العائد بعد التحقيق ويدخل المدرج ويتحدث في حماس مختلط بالأسى ويخبرهم بما سردناه في السطور السابقة لتتعالى هتافات الطلاب لترج أسوار الجامعة «حرية».

صُنع الفيلم للتذكير بما حدث من اعتقالات في صفوف الطلاب والمثقفين والسياسيين في عام 1968 عقب نكسة 67، كما صُنع في ظل القطيعة التي أعلنها السادات ومبارك مع عصر ناصر الذي حكم فيه العسكريين مصر بقبضة من الحديد والنار. ولكن يبدو أن الفيلم لمس أحداثًا وأفكارًا ما زالت مصر تعيش أيامًا حزينة بسببها حتى اليوم. فمُنع الفيلم وتناساه الجميع.


– أستاذ في القانون زيك لازم يكون عارف إن التظاهر في الجامعة ممنوع يا دكتور.
– والديمقراطية ممنوعة، والمساواة ممنوعة وحتى المناقشة ممنوعة.

الفيلم يمكن تصنيفه كأحد أفلام الدراما السياسية، وتدور أحداثه حول حكاية دكتور «حسين مرسي» أستاذ القانون الذي قام بدوره «محمود عبد العزيز» الذي يرى الجامعة كمؤسسة دورها تشكيل وعي الطلاب وتخريج جيل ناقد وحر، وبالطبع تتعارض هذة الرؤية مع ما تريده السلطة في هذا الزمان فيتم اعتقال دكتور حسين ومجموعة كبيرة من الطلبة ومن بينهم «منى» التي أحبت أستاذها وأصبحت زوجته.

يخرج دكتور حسين بعد أن قتل التعذيب زوجته وقذف به إلى براثن الجنون. وتستمر أحداث الفيلم في محاولة من «سامية» طالبة الحقوق التي قامت بدورها «عبلة كامل» و «هدى» التي قامت بدورها «آثار الحكيم»، أستاذة القانون الصغيرة في مساعدة أستاذها للعودة إلى عقله وإلى رفع دعوى قضائية ضد من قاموا بتعذيب زوجته في المعتقل.

تستمر الأحداث بعد ذلك لتعرض حياة مأساوية وضائعة لأستاذ القانون السابق بين مدمني المخدرات وبائعي الهوى وفي مقدمتهم «إيكا» تاجرة المخدرات في إحدى الحواري الفقيرة التي استحوذت على عقل وجسد دكتور حسين. نرى أستاذ القانون وهو يتحول لرجل تائه وهائج، يقضي يومه في «رص» حجارة الدخان ومساعدة الحانوتي «فرح» الذي قام بدوره «عثمان عبد المنعم» في بيع أجساد الموتى إلى طلبة كلية الطب.

تنتهي أحداث الفيلم نهاية مأساوية للغاية حينما يكتشف دكتور حسين أنه ساعد المعلم فرح في بيع جثة زوجته التي ماتت من جراء التعذيب في المعتقل. لينطلق مجنونًا في الشوارع يحذر الناس من دفن أحبائهم.


منذ ما يقرب من 25 عامًا، قدم «محمود عبد العزيز»، في نفس العام، دورين مهميّن ومتشابهيّن للغاية ولكن في اتجاهييّن مختلفين. دوره الأعظم «الشيخ حسني»، الشيخ الفلتان الذي يقضي ما تبقى من عمره في الغناء حول دخان الحشيش بعد أن ماتت زوجته. في رائعة «داود عبد السيد» المأخوذة عن رواية الكاتب «إبراهيم أصلان» التي تحتفي بما تبقى من حياة المصريين البسيطة في ظل صعود وحش المادية، وتحالف رأس المال مع السلطة الذي دمر حياة فقراء مصر تماما فيما بعد، ومسخ ما تبقى من أرواحنا جميعا.

ودوره العظيم «دكتور حسين مرسي»، أستاذ القانون الذي قضي ما تبقى من حياته تائها هائما، مس حلم الحرية روحه يوما فانقلبت حياته جحيمًا بعد أن تجرأ وحاول أن يعارض جنرالات حكموا مصر بالحديد والنار فحولوها لبلد لا مكان فيها للمثقفين ولا نأمن فيها على أحبتنا، حتى وإن صاروا جثثا هامدة.

«محمود عبد العزيز» امتلك موهبة عظيمة وقدرة تمثيليه تجبرك على تصديق ما تشاهده. تلك القدرة التي استطاع من خلالها  أن يلمس أرواحنا في نقاط متفرقة من مشوارة الفني. وفي هذا العام تحديدا، 1991، لمسها مرتين فضحكنا وبكينا بين «الكيت كات» الذي لا نمل من مشاهدته، و«قانون إيكا» الذي مُنع عنا في حينه، لنعيد اكتشافه اليوم ونحن نودع بطله الكبير.
DMCA.com Protection Status

Comments

comments

اضغط للتعليق

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الأكثر قراءة

للأعلى