الأفلام الحربية في السينما الإسرائيلية

الأفلام الحربية في السينما الإسرائيلية

بالنظر إلى الطبيعة العسكرية للمجتمع اليهودي في إسرائيل فإنها لن تكون مفاجأة إذا اكتشفت أن هناك عدد ضخم من الأفلام الإسرائيلية الحربية تتناول الجيش الإسرائيلي وحروب إسرائيل ضد العرب بصفة عامة ، خاصة إذا قمت بمقارنتها بالأفلام العربية التى تتناول الحروب نفسها فستجد نسبتها قليلة العدد للغاية بالمقارنة بكم الأفلام الدرامية والكوميدية الهائل الذي ظهر في السينما العربية فى المائة عام الأخيرة .

——————–

تتسم الأفلام الحربية الإسرائيلية بسمة خاصة بها وهي أن تتغير بصورة موازية لتغير نظرة المجتمع الإسرائيلي للجيش بصفة عامة ، لذلك فسوف تجد موجات مختلفة من الأفلام الحربية الإسرائيلية على مدار الستون عاما الماضية .





السينما الحربية في السنوات الأولى

Haganah

في العصور المبكرة للسينما الإسرائيلية كانت الأفلام تركز على الحماسة الوطنية اليهودية نحو استعمار الأرض العربية وبناء وطنهم الجديد وأول فلم يعتبر مثال على هذه الموجة هو فلمGiva 24 Eina Ona(“Hill 24 Doesn’t Answer”, 1955) ويحكي قصة أربعة من مقاتلي الهاجاناه (الهاجاناه هى العصابات الأولى التى تكونت في إسرائيل لمحاربة العرب وتعتبر نواة جيش الدفاع الإسرائيلي )

وتتكون المجموعة من طالب أمريكي مؤمن بالصهيونية وشخص ناجٍ من معسكرات الاعتقال الألمانية ،وغيرهم ومع الفلم سوف تكتشف أن لكل واحد من أفراد المجموعة الدافع الخاص به الذي جعله يلتحق بالهاجاناه وخوض القتال ، بالفلم تأكيد على الروح الصهيونية التقليدية ، وتري فيه كيف يتم التعامل مع مآسي الحرب من وجهة نظر أيديولوجية يهودية بحتة ، الفلم في مجمله بسيط ويتماشي مع الفترة التى أنتج فيها حيث أن عمر الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وقتها كان 7 سنوات فقط .

حرب الأيام الستة وأساطير السينما الاسرائيلية

6

للأسف حققت السينما الحربية الإسرائيلية ازدهاراً كبيراً في الفترة التى تلت حرب 1967 والتى مني فيها العرب بهزيمة كبيرة كانت سبباً في العجرفة الكبيرة التى سادت السينما اليهودية وقتها حيث ظهرت مجموعة من الأفلام تصور بطولات وهمية أقرب إلى الأساطير لجيش إسرائيل ، وهذه كانت نتيجة طبيعية للدهشة الكبيرة التى سادت اليهود الذين لم يصدقوا أنفسهم عندما حقق الجيش الإسرائيلي إنجازات غير متوقعة في ستة أيام فقط !!! .

ومن الأمثلة على أفلام تلك الفترة فلم بعنوان : Hu Halach Basadot (“He Walked Through the Fields”, 1967)والذي يتبني نظرة مقدسة لمؤسسي إسرائيل ، الفلم مبني على رواية للكاتب موشي شامير تناول العلاقة بين الجيل الأول من المهاجرين والجيل الثاني الذي خاض حرب الأيام الستة 1967 وقام ببطولة الفلم آسي ديان ابن وزير الدفاع الإسرائيلي الشهير موشيه ديان والذي اعتبر في إسرائيل وقتها أسطورة عسكرية ، ويحيط الفلم هالة كبيرة من القدسية على مؤسسي دولة الاحتلال الإسرائيلي وقتها .
واذا تركنا هذا الفلم نجد أن أفلام البطولات الإسرائيلية الغريبة تصل إلى ذروتها في فلم بعنوان : like Azit Hakalba Hatzanchanit (“Azit the Paratroop Dog”, 1972).والفلم مقتبس عن قصة كتبها موتا جير والذي كان رئيساً لهيئة الأركان الإسرائيلية إبان حرب 1967 وتحكي قصة الفلم عن كلب وولف ألماني يتمتع بموهبة كبيرة يقوم بعملية فدائية من اجل إنقاذ مالكه الذي وقع في الأسر عند العرب وتتوالى الأحداث و يستطيع الكلب إنقاذ صاحبه في النهاية ، الفلم في مجمعه فلم ساقط ولا يعدو تقليد سخيف لأفلام الكلبة لاسي الشهيرة ،و صور الفلم العرب في صورة كاريكاتورية سيئة تعكس الاستخفاف اليهودي بالعرب في تلك الفترة !.

حرب أكتوبر وانهيار الأسطورة

610

يمكنك أن تقول انه باندلاع حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 ، انتهي العصر الذهبي للسينما العسكرية الإسرائيلية ، وهي الحرب التى كان لها الدور الأكبر في القضاء على الصورة الأسطورية للجيش الإسرائيلي في العالم أجمع وهو الأمر الذي جعل السينما العسكرية الإسرائيلية تصاب بما يشبه الصدمة نتيجة انهيار الصورة الوردية للقوة الإسرائيلية ، وهكذا فقدت السينما الحربية الحظوة عند الجماهير ولفترة طويلة امتدت حتى نهاية السبعينيات وبدأت السينما تأخذ منحي جديد تحول من تصوير البطولات العسكرية إلى أن تكون أكثر حرجا وأكثر تساؤلا وربما نقول أكثر منطقية .هذا الاتجاه بدا يتزايد بعد الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982 .

في الحقيقة يمكن القول انه إذا كانت فترة بداية السبعينيات هي عصر أفلام البطولات العسكرية في السينما الإسرائيلية فإن الثمانينيات يمكن أن تمسي بعصر الأفلام المناهضة للحرب ،فقد ظهرت عدة أفلام في تلك الفترة تتضمن تساؤلات عن حقيقة دور جيش الدفاع الإسرائيلي ، حتى أننا نري أن الصورة الوردية للجندي الإسرائيلي تغيرت إلى درجة إظهاره في صورة أكثر وحشية مع بعض التركيز البسيط على العنصر الإنساني عند العرب .

واحداً من أفضل أمثلة الأفلام التى تصور تلك الفترة هو فلم : Shtei Etzbaot Mitzidon (“Ricochets”, 1986). وتحكي قصة الفلم عن حياة بعض الجنود في قاعدة عسكرية مظلية أنشئت وسط بعض القرى اللبنانية ، يصور لنا الفلم كيفية تعامل الجندي الإسرائيلي مع السكان المحليين والذين ليسوا بمقاتلين أو إرهابيين ،ولكنهم مجرد أهالى عاديين ،في نفس الوقت بصورة موازية يصور الفلم حالة الهلع عند الجندي اليهودي من الموت عن طريق القنابل المفخخة على الطرقات .

في احد المشاهد شديدة الواقعية في الفلم تقوم قوات الاحتلال الإسرائيلية باقتحام منزل احدي العائلات اللبنانية ويقوم الجنود بتفتيش كل المنزل ،وفي نفس اللحظة نري نظرات الخوف في أعين أفراد العائلة ،يأمر قائد المجموعة احد الجنود بإزاحة رجل عجوز مقعد نائم فوق مفرش على الأرض ،يتردد الجندي ولكن القائد يصرخ فيه أمراً بتحريكه وبعد نقل الرجل يكتشف الجنود وجود باب سري يقود إلى مخزن للأسلحة !

ويعكس هذا المشهد التعقيدات الأخلاقية لغزو لبنان ( من وجهة نظر إسرائيلية بالطبع ) ويطرح عدة أسئلة عن الاحتلال ومفهومه وينتهي الفلم بإعادة انتشار القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان وابتعادهم عن بيروت ولكنه يترك تساؤلا عن جدوى هذه الحرب بصفة عامة .

هذه الأفكار الجديدة في السينما الإسرائيلية عادت تلقي بظلالها على فلم آخر هو : Blues Lahofesh Hagadol (“Late Summer Blues”, 1987).
تدور أحداثه في الفترة بين حربي 1967 وحرب أكتوبر وهي الفترة المسماة بفترة حروب الاستنزاف وهي الحرب التى تناستها إسرائيل ، والتى تكبدت فيها خسائر كبيرة في الأرواح ، و يتناول الفلم قصة مجموعة من الطلاب في السنة النهائية ، انخرطوا في الجيش ، وهؤلاء يعتبروا الجيل الثاني من المقاتلين بعد جيل حرب 1967 ، وكانوا هؤلاء مأخوذين بالبطولات الإسرائيلية الوهمية في 1967 ولكن مع مرور الوقت يكتشفون أن الأمور أكثر تعقيدا وان الحرب أصعب مما كانوا يصورونها ويعتبر كثير من النقاد أن هذا الفلم من الأفلام الجيدة لأنه يغوص أكثر في العقلية الإسرائيلية كما انه الفلم الوحيد الذي تناول حرب الاستنزاف .

666


مع مرور السنين يضعف الاهتمام بالأفلام العسكرية في إسرائيل وعزي النقاد السبب إلى أن إسرائيل أصبحت أكثر انفتاحا على العالم الخارجي وهو ما تأثر به المنتجين في إسرائيل وتأثرت به السينما الإسرائيلية ولكن من وجهة نظري ، اعتقد أن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وخمود التوتر التاريخي بينهم كان له دورا كبيرا في هدوء النعرة العسكرية في إسرائيل وتوجيهها نحو الفلسطينيين فقط وهو ما اثر بدوره على السينما الحربية ، حيث أن طبيعة العلاقة بين مصر وإسرائيل كانت علاقة الند بالند أما بعد معاهدة كامب ديفيد و تفرغ إسرائيل للفلسطينيين أصبحت العلاقة علاقة بين محتل غاصب وبين مدنى أعزل ، و هو ما يجعل تصوير هذه العلاقة في شكل فلم عسكري نوع من الجبن والخسة .

فيلم Kippur يوم الغفران

6667

من بين الأفلام العسكرية القليلة التى أنتجت في إسرائيل في السنوات الأخيرة يظلفلم Kippur (2000) أحد الأفلام الهامة التى تناولت حرب أكتوبر من منظور إسرائيلي ، رغم أن كل الأفلام الإسرائيلية التى تناولت حرب أكتوبر كانت تركز على تحميل المخابرات الإسرائيلية ( الموساد) مسؤولية الهزيمة وفشلها في عدم التنبؤ بميعاد الحرب إلا أن فلمKippur للمخرج الإسرائيلي Amos Gitai لم ينظر من هذه الزاوية ولكنه عالج الحرب من منظور الجنود ولم يتطرق إلى أية أبعاد سياسية كما فعلت الأفلام السابقة ، وGitai مخرج يهودي معروف قدم أعمال كثيرة في الدول الأوربية وخاصة فرنسا ، يطرح فلمه هذا من وجهة نظر خاصة به حولته كثيرا إلى فلم فكري أكثر منه فلم حربي ،ويحسب لـ Gitai أنه حاول أن يخرج فلمه بصورة حيادية للغاية جعلته بالنهاية هدفاً لانتقاد الكثير من النقاد اليهود .

قصة الفلم تحكي عن اثنان من الجنود يتم استدعاءهم في بداية الحرب وذلك للمشاركة في فرقة لإنقاذ الجرحى في مرتفعات الجولان السورية وعندما يصلان إلى هناك يجدا المنطقة وقد عمتها الفوضى الشديدة أثناء انسحاب القوات الإسرائيلية من الجبهة ، وتتوالى الأحداث في الفلم .

يعيب البعض على الفلم البطء في معالجة الأحداث ، كما أن ببداية الفلم مشهد رمزي يصور لقاء عاطفي حميم بين أحد الأبطال وصديقته يمتد لفترة طويلة ، ولكن مع ذلك فإن الفلم يعتبر من أكثر الأفلام الإسرائيلية نضوجاً ويمتاز بتصوير متقن ، رغم المعارضة الكبيرة التى واجههاGitai وفلمه داخل اسرائيل.

التعليقات مغلقة.