التناظر كمفهوم فيزيائي .. افقد المزيد من التناظر حينها تكسب المزيد من النظام

التناظر كمفهوم فيزيائي .. تخيل معى مدرسة مشتركة بها تلاميذ من الجنسين يمرحون فى فنائها..لو تخيلناهم جميعا فى نفس الصف..وكل فصل مختلط أيضا..عندما يحين وقت دخولهم الفصل..قد تختار أى مجموعة أى فصل لتحتله

فالفصول جميعها متناظرة بالنسبة للطلبة..لذلك هم غير مجبرين على نظام معين .

الآن لنتخيل أن المدرسة بها قواعد

فالبنات فى فصل..والأولاد فى فصل

كما أنهم جميعا ليسوا فى نفس الصف

الفصول الآن غير متناظرة بالنسبة للطلبة جميعا..فهناك قواعد أجبرت الجميع على أن يكون هناك نظام ما فى توزيع الطلبة .

التناظر كمفهوم فيزيائي ما هو ؟

عندما إفتقدنا التناظر فى منظومة المدرسة إكتسبنا النظام فى توزيع الطلبة .

من المعروف أن الثلج هو مرحلة إنتقالية للماء نصل إليها عند تبريد الماء لدرجة حرارة أقل من درجة حرارة التجمد…وقد إستفاد العلماء من مسألة التبريد الشديد فى إستعمال أشباه الموصلات الفائقة حيث لا تشكل حركة جزيئات المادة أى مقاومة تذكر أمام التيار

فى ثلاثينات القرن الماضى درس فيزيائى روسى إسمه ليف لانداو مسألة المراحل الإنتقالية للمادة…ولاحظ أنه فى كل المراحل الإنتقالية يحدث فقد ما للتناظر فى النظام ككل

تعرف درجة حرارة كورى أنها درجة الحرارة التى يحدث عندها إنتقال المادة من حالة إلى حالة أخرى …فالمغناطيس عند درجة حرارة 770 سيليزية يفقد مغناطيسيته على الفور
ويمكن تفسير المغناطيس على ضوء نظرية لنداو كما يلى

تخيل مجموعة من الذرات قد تم ترتيبها بشكل منظم فى مستو ما ..ولكل ذرة مجال مغناطيسى كما هو فى الصورة…بناءا على قوانين الديناميكا الحرارية مستو كهذا لابد يصل إلى أقل كمية طاقة كامنة ممكنة..Ground State Energy…ولنعتبرها إختصارا GSE..

ستكون قيمة GSE أقل ما يمكن عندما تشير ذرتين متجاورتين إلى نفس الإتجاه..بل إن ذلك سيبعث إشارة إلى ما يجاورهم من ذرات للترتيب فى نفس إتجاههما وهكذا دواليك..حتى تترتب ذرات النظام كله فى إتجاه واحد..وليكن أعلى-أسفل…عند تسخين النظام مرة أخرى تتوزع الذرات بشكل عشوائى…وتفقد مغناطيسيتها بالكامل..ومع التبريد تترتب كما فى الشكل الأيمن..وتكون القيمة المغناطيسية أعلى ما يكون.

كسر التناظر بشكل مستمر :

Spontaneous Symmetry Broken رأى لنداو أنه يمكن تفسير المغناطيسية على ضوء التناظر…ففى البداية الصورة على اليسار…كان هناك تناظر فى النظام..أو ما يطلق عليه العلماء مستوى الحرية..Degree of Freedom ..أى أن الجزيئات لها مطلق الحرية أن تشير لأى إتجاه

ولكن بالتبريد تحت درجة الحرارة الحرجة..يحدث كسر للتناظر..بحيث تجبر الجزيئات أن تترتب فى إتجاه واحد فقط…وهنا يقل التناظر فى النظام وربما ينعدم…الأمر أشبه بإشارة مرور تتخطاها فى إتجاه واحد فقط.

ببساطة…عندما فقدنا التناظر…إكتسبنا المزيد من النظام 

ولأن الفيزيايين يبحثون دائما عن ما يؤرقهم ويؤرق الآخرين..أراد لنداو حساب قيمة المغناطيسية فى النظام وإفترضها كالتالى:

M=(N+-N_) /(N++N

ودون أن تشغلوا أنفسكم بالصيغة كثيرا…n الموجبة هى عدد ما يشير لأعلى..و n السالبة هى ما يشير لأسفل
أى أن قيمة المغناطيسية هى قيمة الزيادة فى الذرات التى تشير للأعلى على مستوى ذرات النظام ككل

فوق درجة الحرارة الحرجة..لا يوجد ميزة فى إتجاه الأعلى
ومع التبريد تزداد قيمة المغناطيسية حتى تصل حدها الأقصى عندما تشير جميع الذرات لأعلى

المغناطيسية والطاقة :

وضع لانداو صيغة لحساب مستوى الطاقة فى نظام مغناطيسى
E=a0+a1M+a2M^2+a3M^3….etc

ثم تجاهل قيمة a0 لأنها تساوى صفر حيث المغناطيسية تساوى صفر
وتجاهل القيم الأسية المفردة لأنها تعطى إتجاهين متضادين فى الرسم البيانى…وتجاهل أيضا كل القيم الأسية فوق 4…حيث تكون قيم المغناطيسية صغيرة جدا يمكن تجاهلها 

الآن آلت المعادلة إلى التالى :

M= alpha M^2+beta M^4

شكل المنحنى عندما تكون بيتا سالبة- صورة 2
وهذا مرفوض لأنه من غير المنطقى أن تصل قيم الطاقة لحدود دنيا سالبة القيمة

شكل المنحنى عندما يكون كلا من ألفا وبيتا موجبين- صورة 3

ولو كانت ألفا سالبة وبيتا موجبة..لحصلنا على الصور 4 التالية

الصورة 4 فيها مستويين GSE على عكس الصورة 3 التى فيها مستوى واحد فقط حيث يتلاقى الإحداثين السينى والصادى

أى الصورتين أدق؟

فى الواقع كلتاهما صحيح…ولكن الظروف وقيمة ألفا فقط هى التى تتغير…ففوق درجة الحرارة الحرجة تكون المغناطيسية= صفر..وأقل مستوى للطاقة يكون عندما تكون قيمة ألفا موجبة…ولكن مع التبريد تحت درجة الحرارة الحرجة تكون قيمة المعرف ألفا سالبة..وهو ما يصل بنا للصورة 4

القبعة المكسيكية :

بتعميم الشكل البيانى للطاقة مع المغناطيسية فى جميع الإتجاهات وليس فى مستوى واحد حصل لنداو على ما يشبه القبعة المكسيكية كما فى الشكل التالى

عالم الفيزياء بيتر هيجز إقتبس فكرة لنداو فى صيغة مطابقة تمام
V=Alpha Fi^2+Beta Fi^4

طبعا Fi الرمز اللاتينى

قيمة Beta…تشير لقوة التصادم بين جسيميين نوويين

وقيمة Alpha….تشير لكتلتيهما

فى بداية الكون كانت قيمة Fi تساوى صفر فى أى بقعة من الكون وكانت درجة حرارة الكون عالية جدا..وقيمة Alpha كانت موجبة…يبقى إذن عند GSE لابد أن تكون قيمة FI تساوى صفر…تماما كما كانت قيمة المغناطيسية تساوى صفر فوق الدرجة الحرجة (نموذج لنداو)….وكما إفترض لنداو مع إنخفاض درجة الحرارة قيمة Alpha قلت بإستمرار…بل إن قيمتها صارت سالبة…وبالتالى حصلنا على القبعة المكسيكية..

ولكن تظل القبعة المكسيكية عديمة الفائدة من وجه نظر الكم…فهى لا تعبر إلا عن الأجسام عديمة الكتلة فقط!…هى التى يمكن أن يكون لها منحنى طاقة كهذا حتى فى البدايات الأولى للكون

من أين جاءت الكتلة إذن ؟ 

النقطتان A و B هما الأقل طاقة فى هذا الفراغ الكمى..والقبعة تدور فى مستوى الدائرة الزرقاء فيما يعرف بالذبذبات الكمية Quantum Fluctuation ولو ظل الأمر على هذا الحال لما نشأت طاقة تذكر..فالفراغ لم يبذل طاقة ليجمدها على هيئة كتلة…ولكن قد يحدث أن تتحرك القبعة حركة بندولية..أو تنزاح تجاه اليمين أو اليسار..وينشأ عن ذلك تجمد للطاقة المبذولة على هيئة جسيم نشأ من الفراغ …وعلينا أن نعرف أن الطاقة المبذولة هائلة جدا لتبقى فى الكون على هيئة جسيم ولو كان حتى نيوترينو

هذا الميكانيزم هو ما يعرف بميكانيزم هيجز أو Gauge Boson Transformation…أى الحركة أو الإهتزاز الناتج فى مجال الهيجز والذى نشأ عنه كتلة من لاشئ .

اقرأ كذلك

بوزون هيغز أو جسيم هيغز والذى كان إكتشافه نقلة نوعية في عالم الفيزياء الكمية

وجدير بالذكر أن نذكر هنا أن القبعة كانت كل الإتجاهات متناظرة بالنسبة لها…ولكن كسر التناظر كمفهوم فيزيائي (بتحريك القبعة بندوليا أو تحريكها نحو اليمين أو اليسار)….كسر التناظر المستمر هذا منذ نشأة الكون هو سر نشأة الجزئيات النووية على المستوى ما دون الذرى .