فنون

«الحارس» القِصَّة القصيرة التي ألهمت ستانلي كوبريك صُنع فيلم «2001: أوديسا فضائية»

«الحارس» القِصَّة القصيرة التي ألهمت ستانلي كوبريك صُنع فيلم «2001: أوديسا فضائية»

«الحارس»

القِصَّة القصيرة التي ألهمت ستانلي كوبريك صُنع فيلم «2001: أوديسا فضائية»، واستَخدمها آرثر كلارك نواة لملحمته العظيمة بالاسم نفسه.

تأليف آرثر سي كلارك.
ترجمة نادر أسامة.

في المرَّةِ القادمة التي ترى فيها القمر بدرًا ويرتفع عاليًا في الجنوب، تمعَّن جيِّدًا في تخومه اليُمنى، ودع بصرك يرتحل صعودًا عبر طول مُنحنى القُرص. في اتِّجاه إشارة عقارب الساعة إلى الثانية، ستلحظ بقعة بيضاوية صغيرة وداكنة. أيُّ شخص سليم النَّظر يستطيع إيجادها بسهولة كبيرة. إنها سهلٌ مُسَوَّر عظيم، من أجمل ما يوجد على القمر، ويعرف باسم مار كريسيوم، أو بحر الشدائد. قطره يبلغ ثلاثمِئة ميل، ومُحاط بالكامل تقريبًا بحلقةٍ مهيبةٍ من الجبال. تلك البُقعة لم تُستكشف إلا في أواخر صيف عام 1996.

كانت بعثتنا كبيرة. حلَّقت اثنتان من سُفنِ الشحنِ الثقيلة كي تنقل امداداتنا ومُعدَّاتنا من القاعدة القمرية الرئيسة القابعة في بحر السكينة على بُعد خمسمئة ميلٍ. كان لدينا أيضًا ثلاثة صواريخ صغيرة مُعدَّة للنقل الجوي قصيرة المدى في المناطق التي يتعذَّر على مركباتنا الأرضية تخطِّيها. من حُسن حَظِّنا، مُعظم قفار بحر الشدائد مُنبسطة تمامًا. لا وجود لأيٍّ من الصدوع الكبيرة بالغة الخطورة الشائِعة جدًّا في المناطق الأخرى، ويوجد عددٌ قليل جدًّا من الفوَّهات والجبال باختلاف أحجامها. بقدر علمنا، جرَّاراتنا القويَّة طراز كاتربيلر لن تواجه صعوبة تُذكَر في حملنا أينما رغبنا الذهاب.

أنا چيولچي، أو سلينولوجي (چيولچي قمري) إذا أردتَّ أن تكون مُتحذلِقًا. مسؤول عن مجموعة استكشاف النطاق الجنوبي من بحر الشدائد. لقد قطعنا مِئة ميل منه في أسبوع، مُلتفِّون حول سفوح الجبال التي تَحِد ما كان شاطئ بحر قديم منذ نحو ألف مليون سنة مضت. في الوقت الذي دبَّت الحياة فيه على سطح الأرض، كانت تحتضر هنا. في مكان السهول التي نقطعها الآن، كان يوجد مُحيط بائد عديم المدّ عُمقه نصف ميل. لكن الأثر الوحيد الباقي من النداوةِ حاليًا، هو الصقيع الذي يُصادفه المرء أحيانًا في الكهوف التي لم تخترقها أشعة الشمس الحارقة قط.

بدأنا رحلتنا باكرًا في فجر القمر بطيء الزَّحف. ما زال أمامنا أسبوع تقريبًا بتوقيت الأرض قبل حلول الظلام. كل يوم نترك مركبتنا نحو ست مرَّاتٍ ونذهب للبحث عن المعادن المُثيرة للاهتمام، أو لوضع علامات إرشادية لمن سيأتي بعدنا في المستقبل.

كان استكشافنا عملًا روتينيًّا هادِئًا. لا يوجد شيءٌ خطر أو حتَّى مُثير بشكل خاص فيما يتعلَّق باستكشاف القمر. نستطيع العيش بيُسر لمدَّة شهر في قاطراتنا مُتعادلة الضَّغط، وإذا حدثت مُشكلة ما، يمكننا دومًا الاتِّصال راديوِّيًّا لطلب المُساعدة، ثم الجلوس في أماكننا إلى أن تأتي إحدى سُفُن الفضاء لنجدتنا.

قُلتُ أنه لا يوجد شيءٌ مُثير بخصوص استكشاف القمر، لكن هذا ليس صحيحًا بالطبع. المرء لا يستطيع أن يمل مشهد تلك الجبال البديعة الأكثر وعورة بكثير من التلال اللطيفة على الأرض. لم نكن نعلم قط، ونحن نجوب خلجان ونتوءات ذلك البحر البائد، أيُّ روائع ستتكشَّف لنا. إن مُنحنى بحر الشدائد الجنوبي بأكمله عبارة عن دلتا شاسعة، وَجَدَت خلالها مجموعة من الأنهار فيما مضى طريقها إلى المحيط، تغذِّيها -رُبَّما- الأمطار الغزيرة التي لا بُد أنها استمرَّت في ضرب الجبال إبَّان العصر البُركاني الوجيز في حقبة شباب القمر.

كلٌّ من هذه الوديان العتيقة كان بمثابة دعوة.. يتحدَّنا للتسلُّق وصولًا إلى الأرضي المُرتفعة على الجانب الآخر. لكن نحن أمامنا مِئة ميل لنُغطِّيها بعد، ولم يكن في وسعنا سوى النَّظر بتوق إلى المُرتفعات التي لا بُد أن آخرون سيتسلَّقونها.

أبقينا على التوقيت الأرضي في القاطرة. في تمام الساعة 22:00، كانت تُبعث آخر رسالة راديو إلى القاعدة، ويكون في استطاعتنا غلق أبوابنا لهذا اليوم. في الخارج، تستمر الصخور في التَّحمُّص تحت أشعة الشمس شبه العمودية، لكن بالنسبة إلينا يكون الليل قد حلَّ، إلى أن نستيقظ مرَّة أخرى بعد ثمان ساعات. عندها يقوم أحدنا بتحضير الإفطار، وتحدث ضجَّة عظيمة من أزيز آلات الحلاقة الكهربائية، ويُشغِّل أحدهم الراديو على الموجة القصيرة القادمة من الأرض. وبالفعل، عندما تبدأ رائحة قلي النَّقانق في ملء المقصورة، يكون من الصعب أحيانًا تصديق أننا لسنا على عالمنا. كل شيء يصير طبيعيًّا وحميميًّا جدًّا، بصرف النظر عن الشعور بانخفاض الوزن، وبطء الأغراض غير الطبيعي في سقوطها.

كان الدَّور قد جاء عليَّ لإعداد الإفطار في رُكن المقصورة الرئيسة الذي كان بمثابة مطبخنا. أستطيع تذكُّر تلك اللحظة بجلاءٍ كبيرٍ بعد كل تلك السنوات، حيث كان الراديو يذيع أحد ألحاني المُفضَّلة، المقطوعة الويلزية القديمة، «ديڤيد من الصخرة البيضاء».

كان سائقنا في الخارج بالفعل، مُرتديًا بزَّته الفضائية، ويفحص جنازير جرَّارنا. بينما مُساعدي، لويس جارنت، يجلس في مركز المُراقبة يُقيِّد بعض البنود المُتأخِّرة في سجل يوم أمس.

في أثناء وقوفي جوار المِقلاة، كأيِّ ربَّة منزل أرضية، مُنتظرًا تغيُّر لون النَّقانق، تركت بصري يطوف بلا اكتراث عبر الجدار الجبلي الذي يُغطِّي الأُفُق الجنوبي برمَّته، ويمتد بعيدًا عن النظر إلى الشرق والغرب أسفل انحناء سطح القمر. بدت الجبال كأنها على بُعد ميل أو ميلين من القاطرة، لكنني كنت أعرف أن أقربها يبعد عشرين ميلًا. على سطح القمر، لا تقل التفاصيل وضوحًا مع ازدياد المسافة بالطبع، حيث لا وجود لتلك الغشاوة التي تكاد لا تُدرك، والتي تُخفِّف -وأحيانا تخفي- كل الموجودات البعيدة على سطح الأرض.

تلك الجبال ترتفع عشرة آلاف قدم في الهواء، وهي تخرج بزاوية حادَّة من الأرض كما لو أنها في عصورٍ مضت دُفِعت بواسطة انفجار جوفي ما عبر القشرة المُنصهرة نحو السماء. كان سفح أقرب الجبال مُخفى عن البصر بسبب السهل المُنحني بشدَّة. القمر عالم صغير جدًّا، ومن موقعي كان الأُفُق يبعد ميلين فقط.

نقلت بصري نحو القمم التي لم يتسلَّقها إنسانٌ من قبل.. القمم التي شهدت قبل قدومنا غوص المُحيطات المُنحسرة الكئيب إلى قبورها الجوفية، طامرة معها الأمل الواعد في تأسيس عالم يعج بأشكال الحياة. كانت أشعة الشمس تضرب الجدار الجبلي بوهجٍ يؤذي العيون، لكن فوقها بقليل، تلمع النجوم بثبات في سماءٍ أكثر حُلكة من سماء مُنتصف ليل الشتاء على الأرض.

كنت أشيح ببصري بعيدًا عندما لمحت عيناي تألُّقًا معدنيًّا على قمَّةِ نتوء هائل يطعن السماء على بُعد ثلاثين ميلًا في اتِّجاه الغرب. كانت نقطة ضوء بلا أبعاد، وكأن نجمًّا قد وقع في براثن واحدة من تلك القمم القاسية. تصوَّرت أن صخرةٍ ملساء تقتنص أشعة الشمس وتعكسها مُباشرةً إلى عينيَّ. مثل هذه الأشياء ليست نادرة. عندما يكون القمر في تربيعه الثاني، يلاحظ المراقبون على الأرض أحيانًا توهُّج نطاقات هائلة، في محيط العواصف، باللونين الأزرق والأبيض، وذلك عندما تضرب أشعة الشمس مُنحدراتها، وتقفز بعدها من عالمٍ إلى عالم. لكن -بالرغم من هذا- أُثير فضولي لمعرفة نوع الصخرة التي تسطع بكل هذا الوضوح هناك في الأعلى، لذا صعدت إلى بُرج مُراقبتنا ووجَّهت مِرقابنا نحو الغرب.

ما رأيته كان كافيًا لإثارة حماستي. بوضوحٍ شديد، ودقَّة مُذهلة في مجال الرؤية، كانت قمم الجبال تبدو كأنها تبعد نصف ميل. لكن أيًّا كان ما يقتنص أشعة الشمس، لا بُد أن حجمه صغير جدًّا لسبر غوره من موقعي هذا. ومع ذلك، بدا لي أن له تماثُلًا شكليًّا مُراوغًا، والقمَّة التي يتَّكئ فوقها كانت مُستوية بشكل يثير الفضول. حدَّقت طويلًا إلى ذلك اللُّغز البرَّاق، مُجهدًا عيني في الفضاء، إلى أن شممتُ رائحة احتراق قادمة من المقلاة أنبأتني أن إفطارنا قطع رحلة ربع المليون ميل إلى القمر سُدى.

طيلة ذلك الصباح شققنا طريقنا عبر بحر الشدائد، بينما الجبال الغربية تنتصب شامخة في وجه السماء. كان النقاش يستمر حيويًّا بيننا عبر الراديو حتَّى عندما نكون في الخارج نُنقِّب تُربة القمر في بِزَّاتنا الفضائية. جادلني رفاقي أنه من المؤكَّد تمامًا إنعدام وجود أيُّ شكل من أشكال الحياة الذكية على القمر في أيِّ وقتٍ مضى. الأحياء الوحيدة التي عرفها الوجود هنا لا تتعدَّى بعض النباتات البدائية، وأجدادها الأقل تخلُّفًا. كنت أعرف هذا كالجميع، لكن في أوقاتٍ بعينها يجب ألا يخشى العالِم أن يجعل من نفسه أضحوكة.

قلت لهم في النهاية: «اسمعوا. أنا ذاهب إلى هناك، ولنقل للترويح عن عقلي. هذا الجبل ارتفاعه أقل من اثني عشر قدمًا، وهذا يعني ألفي قدم فقط في جاذبية الأرض. أستطيع قطع المسافة في عشرين ساعة. لطلما كنت أرغب في زيارة تلك التلال. على أيِّ حال، هذا الشيء يُعطيني ذريعة ممتازة».

قال جارنت: «إذا لم تدق عُنُقك، ستصبح أضحوكة البعثة عند عودتنا إلى القاعدة. هذا الجبل رُبَّما سيُدعى “حماقة ويلسون” من الآن فصاعدًا».

قلت في حزم: «لن أدق عُنُقي. من كان أوَّل من تسلَّق بيكو وهليكون؟».

سأله لويس بلطف: «لكن، ألم تكن أصغر سِنًّا في تلك الأيام؟».

قلت وقد أخذتني العِزَّة بالنفس: «هذا سببٌ آخر جيِّد للذهاب».

خلدنا إلى النوم باكرًا في تلك الليلة، بعد قيادة القاطرة إلى مسافة نصف ميل من النتوء الصخري. في الصباح، سيصحبني جارنت. إنه مُتسلِّق جيِّد، وكثيرًا ما رافقني في مثل هذه المآثر من قبل. بدى سائقنا سعيدًا جدًّا لكونه سيصبح مسؤولًا عن الآلة في غيابنا.

للوهلة الأولى، بدت تلك الجروف عصيَّة على التسلُّق، لكن بالنسبة إلى أيِّ شخص لا تزعجه المُرتفعات، يُعد التسلُّق هيِّنًا في عالم تبلغ فيه جميع الأوزان سدس قدرها العادي. الخطر الحقيقي في تسلُّق الجبال القمرية يكمن في الثِّقة المُفرِطة. سقطة من ارتفاع ستمِئة قدم على القمر ستقتلك بنفس الكفاءة التي تقتلك بها سقطة من ارتفاع مِئة قدم على الأرض.

أخذنا استراحتنا الأولى عند حافة عريضة ترتفع نحو أربعة آلاف قدم عن السَّفحِ. لم يكن التسلُّق شديد الصعوبة، لكن أطرافي الأربعة تيبَّست من المجهود غير المُعتاد، وكنت سعيدًا لتوقُّفنا. كنَّا لا نزال قادرين على رؤية القاطرة، لكنها بدت كحشرة معدنية بعيدًا عند سفح الجرف. أبلغنا السائق بوضعنا ومقدار تقدُّمنا قبل أن نبدأ صعودنا التَّالي.

كان الهواء داخل بِزَّتينا باردًا بشكلٍ مُنعش، فوحدات التبريد تُكافح حرارة الشَّمس الضارية في الخارج، وتتخلَّص من حرارة أجسادنا الزائدة من جراء المجهود. نادرًا ما تحدَّث أحدنا إلى الآخر، باستثناء تمرير معلومات التسلُّق ومناقشة أفضل خطَّة صعود مُحتملة. لم أعلم فيما كان جارنت يُفكِّر، رُبَّما هذه هي مُطاردة الأوز الأكثر جنونًا التي شرع فيها طيلة حياته. كنت أوافقه إلى حدٍ كبير، لكن مُتعة التسلُّق، ومعرفة أن لا إنسان خطى هنا من قبل، وبهاء المشهد الذي يتَّسع باطِّراد، أعطتني جميعها المُكافأة التي كنت أحتاجها.

لا أذكر أنني تحمَّست بشكلٍ خاص عندما شاهدت أمامنا الحائط الصخري الذي تفحَّصته أوَّل مرَّة من مسافة ثلاثين ميلًا. كان يرتفع نحو خمسين قدمًا فوق رأسينا. هناك، على قمَّة الهضبة، يوجد الشيء الذي أغواني لعبور هذه القفار القاحلة. إنه -بكل تأكيد- لن يعدو جلمود صخرٍ انفلق منذ زمنٍ بعد مِن قِبَل نيزك، وظلَّ سطحه المُسحَّج جديدًا ومُشرقًا في ظل هذا السكون الأبدي الذي لا يتغيَّر.

لم يكن يوجد موضعٌ للتشبُّث على وجه الصخرة أمامنا، لذا تحتَّم علينا استخدام الكلَّابات. بدت ذراعي المُتعبة كأنها حصلت على عزمٍ جديد وأنا أطوِّح الخُطَّاف المعدني ثلاثي المحاور فوق رأسي ثم أرسله ليُبحر عاليًا نحو النجوم. أخفقت في المرَّةِ الأولى وانفصل الخُطَّاف ساقطًا ببطء إلى الوراء عندما جذبت الحبل. في المحاولة الثالثة، تشبَّثت الشوكات برسوخ كامل بحيث لم يقدر وزنانا مُجتمعان على زحزحتها.

نظر جارنت إليَّ متوتِّرًا. لاحظت أنه يريد الصعود أوَّلًا، لكنني ابتسمت له عبر زجاج خوذتي وهززت رأسي. ثم ببطء، ودون أيِّ تعجُّل، بدأت الصعود الأخير.

حتَّى مع ثِقَل بِزَّتي الفضائية، كنت أزن أربعين باوندًا فقط هنا، لذا أخذت أسحب نفسي إلى أعلى مُستخدمًا ذراعيَّ دون أن أُكلِّف نفسي عناء استخدام قدماي. عند الحافَّة توقَّفت، ولوَّحت لمُرافقي، ثم تدحرجت فوقها ونهضت مُعتدلًا، مُحدِّقًا أمامي.

يجب أن تفهم أنني حتَّى هذه اللحظة كنت مقتنعًا بشكل شبه تام أنه لا شيء غريب أو غير اعتيادي ينتظرني هنا. الشَّك المؤرِّق كان ما يحثَّني على الاستمرار. حسنًا، لم يعد يوجد مجالٌ للشكِّ، لكن الأفكار المؤرِّقة قد بدأت لتوِّها.

كنت أقف على هضبة عرضها مِئة قدم تقريبًا. منذ زمنٍ بعيد كانت ناعمة ومستوية جدًّا. ناعمة إلى حدٍ ينفي كونها طبيعية. لكن النيازك الساقطة نقرت سطحها وشوَّهته عبر دهورٍ إن تُعد لا تُحصى. كانت الهضبة قد سُوِّيت تمامًا لتدعم هيكلًا لامعًا هرمي الشَّكل تقريبًا، بارتفاعِ رجلين، ومُثبَّت في الصَّخر كجوهرةٍ عملاقةٍ مُتعدِّدة الأوجه.

في الثواني القليلة الأولى، غالبًا لم يملأ عقلي أيُّ انفعال. ثم شعرت بفورانٍ هائل في قلبي، وسعادة غريبة يتعذَّر تفسيرها. كنت أحب القمر، والآن عرفت أن طحالب فوَّهات إراتوستينس وأرسطرخس المُتعرِّشة لم تكن شكل الحياة الوحيد الذي طوَّره الكويكب في ريعان شبابه. إن حلم المستكشفون الأوائل القديم حقيقة واقعة. لقد وُجِدَت يومًا ما حضارة قمرية بعد كل شيء، وأنا أوَّل من اكتشفها. كوني أتيت مُتأخِّرًا مِئة مليون سنة تقريبًا أمرٌ لم يحزنني، يكفيني فقط أنني أتيت.

عاد عقلي للعمل بشكلٍ طبيعي. عاد للتحليل وطرح الأسئلة. هل هذا بناء، صرحٌ مُقدَّس أو شيءٌ ما لا اسم له في لغتي؟ إذا كان بناءً، لماذا شُيِّد في ذلك المكان الفريد الذي يتعذَّر وصوله؟ تساءلت إذا ما كان معبدًا.. وبدأت أتخيَّل جماعة من الكهنة يتضرَّعون إلى آلهتهم كي تحفظهم في الوقت الذي كانت الحياة فيه تخمد وتنحسر مع احتضار المُحيطات.. يتضرَّعون إلى آلهتهم دون جدوى.

سرت عشر خطوات إلى الأمام لفحص الشيء عن كثب، لكن شعور غريزي حَذِر منعني من الاقتراب أكثر من اللازم. إن معرفتي بعلم الآثار محدودة، لذا حاولت تخمين المستوى الحضاري لتلك الأُمَّة التي سوَّت هذا الجبل، ورفعت الأسطح المتطابقة المُتألِّقة التي ما زالت تُدهش ناظريَّ.

فكَّرت أن المصريين القدامى يستطيعون تشييد مثل هذا الشيء، فقط إذا امتلك عُمَّالهم أيًّا من المواد الغريبة التي استخدمها أولئك المُهندسون المعماريون الأكثر قِدمًا. بسبب صغر حجم الشيء، لم يخطر ببالي أنني رُبَّما أنظر إلى نتاج عمل جنس أكثر تقدُّمًا من جنسي. فكرة أن القمر ضمَّ حياة ذكية من قبل كانت لا تزال أكثر هولًا من أن يتقبَّلها عقلي، وقد منعني كبريائي من تقبُّل تلك الحقيقة الحاسمة المُهينة.

بعدها، لاحظت شيئًا جعل القشعريرة تزحف على مؤخِّرة عُنُقي. شيءٌ بسيط وبريء جدًّا إلى درجة أن كثيرين قد لا يلاحظونه على الإطلاق. لقد قلت أن الهضبة مشوَّهة بفعل النيازك، أيضًا كانت مُغطَّاة بطبقة من الغبار الكوني المتراكم بسُمك إنشاتٍ عديدة، الذي يكسو دائمًا سطح أيَّ كوكب عندما لا توجد رياح لبعثرته. لكن كان الغبار وندوب النيازك ينتهيان فجأة عند حواف دائرة عريضة تُحيط بالهرم الصغير، كأن جدارًا غير مرئيًا يحمي الشيء من ويلات الزمن والقصف البطيء الذي لا يتوقَّف من الفضاء.

استمرَّ شخصٌ ما يصرخ في سمَّاعات رأسي، عندها لاحظت أن جرانت كان يحاول الاتِّصال بي لفترة من الوقت. سرت مُترنِّحًا إلى حافة الجرف وأشرت إليه كي ينضم إليَّ، غير واثق في قدرتي على التحدُّث. ثم عدت بعدها إلى تلك الدائرة في الغبار. التقطتُّ شظية من حجرٍ مشطوف وألقيته برفق نحو اللُّغز اللّامع. إذا اختفى الحجر خلف ذلك الحاجز الخفي يجب ألا أُدهش، لكنه بدى كأنه ارتطم في سلاسة بسطحٍ شفَّاف نصف كروي، وتدحرج بعدها بلُطفٍ إلى الأرض.

عرفت حينها إنني أرمق شيئًا بعيدًا كل البعد عن قدرات أبناء جنسي. هذا الشيء ليس أثرًا.. إنه آلة.. آلة تحمي نفسها بحقول طاقة تتحدَّى الأبدية. تلك الطاقة، أيًّا ما كانت، ما زالت تعمل، ورُبَّما أكون قد اقتربت جدًّا منها بالفعل. فكَّرت في كل الإشعاعات التي اقتنصها الإنسان وروَّضها في القرن الماضي. بقدر علمي، قد أكون تضرَّرت بشكلٍ لن يصح معه علاج أبدًا، بالضبط كما سيحدث إذا دخلت النطاق المُميت الساكن لكومة نفايات ذرِّية مكشوفة.

أتذكَّر التفاتي إلى جارنت، الذي انضمَّ إليَّ وكان يقف حاليًا في صمت جواري. بدا مشدوهًا بالكامل، لذا لم أزعجه، وسرت إلى حافة الجرف في محاولة لتنشيط ذهني. تحتي مُباشرةً يغفو بحر الشدائد، مار كريسيوم، غريبًا وقابضًا بالنسبة إلى معظم البشر، لكنه مألوف ومُطمئن لي. رفعت بصري نحو الأرض الهلالية، التي تغفو في مهدها الأزلي من النجوم، وتساءلت عمَّا كانت سُحُبها تخفي عندما أنهى أولئك البُناة المجهولون عملهم. هل كانت تُخفي غابة رطبة في العصر الكربوني، أم شاطئًا كئيبًا تزحف فوقه البرمائيات الأولى إبَّان غزوها الأوَّل لليابسة، أم أَخْفَت -في عصور أكثر إبكارًا- العُزلة الطويلة التي سبقت ظهور الحياة.

لا تسألني لِما لم أُخمِّن الحقيقة عاجلًا، الحقيقة التي تبدو جليَّة تمامًا الآن. وسط حماسة الاكتشاف الأولى، افترضت دون أدنى شك أن هذا الظهور البلَّوري قد شُيِّد بواسطة جنسٌ ما ينتمي إلى ماضي القمر المُندثر، لكن فجأة، وبقوَّة ساحقة، غمرني الإيمان بأن من وضعه جنسٌ غريبٌ عن القمر مثلي تمامًا.

خلال عشرين عامًا، لم نعثر هنا على أثرٍ للحياة باستثناء حفنة من النباتات البائدة. لا حضارة قمرية، مهما كان مصيرها، يُمكن أن تختفي بالكامل وتترك خلفها أثرًا واحدًا.

نظرت من جديد إلى الهرم اللامع، وكيف أنه بدا أكثر بُعدًا وانفصالًا عن أيِّ شيء له علاقة بالقمر. فجأة شعرت بنفسي ارتجُّ بضحكةٍ هيستيريةٍ حمقاء، ناجمة عن فرط الإثارة والإنهاك. لقد تخيَّلت الهرم الصغير يتحدَّث إليَّ ويقول: «معذرة، أنا غريب هنا أيضًا».

استغرق الأمر عشرين عامًا كي نستطيع تحطيم ذلك الدرع الخفي والوصول إلى الآلة القابعة داخل تلك الحوائط البلِّورية. ما لم نفهمه قمنا بتدميره في النهاية بالقوة الوحشية الغاشمة للطاقة الذرية. والآن كنت أرمق شظايا الشيء الحبيب اللَّامع الذي اكتشفته يومًا على قمَّة الجبل.

كانت تقنية بلا معنى لنا. آليات الهرم -إذا وجدت من الأساس- تنتمي إلى تكنولوچيا تسكن آفاقًا بعيدة تمامًا خارج حدود معارفنا، رُبَّما تنتمي إلى تكنولوچيا تعمل بقوى غير فيزيائية.

أرَّقنا اللغز أكثر بعدما بلغنا جميع كواكب المجموعة الشمسية الأخرى، وتأكَّدنا أن الأرض وحدها مهد الحياة الذكية في كوننا. لا يمكن أن تكون حضارة بائدة من كوكبنا قد بنت هذه الآلة، لأن سُمك طبقة الغبار على الهضبة مكَّنتنا من قياس عمرها. لقد نُصِّب الشيء على ذلك الجبل قبل أن تنبثق الحياة من مُحيطات الأرض.

عندما كان كوكبنا في نصف سِنِّه الحالي، شيءٌ ما أتى من النجوم واجتاح المجموعة الشمسية، وترك هذا الدليل إبَّان مروره، ثم مضى في طريقه. وإلى اللحظة التي دمَّرناها فيها، كانت الآلة لا تزال تخدم الغرض الذي وضعها من أجله صُنَّاعها. وفيما يتعلَّق بهذا الغرض، ها هو تخميني.

يوجد قرابة مِئة ألف مليون نجم يدور حول مُحيط مجرَّة درب التبَّانة، ومنذ زمنٍ طويل تخطَّت أجناسٌ أخرى تقطن عوالم شموس أخرى كل الآفاق التي توصلَّنا إليها. فكِّر في تلك الحضارات الضاربة بجذورها في عمق الزمن. الحضارات التي انبثقت في الفترة التي تلت خفوت وهج الخلق مُباشرةً. إنهم أسيادُ كونٍ يافع جدًّا، حتَّى أن الحياة فيه لم تكن قد تلمَّست طريقها بعد سوى على حِفنة من العوالم. هذا كونٌ غمرته عُزلة لا يُمكن تصوُّرها، عُزلة آلهة تبحث عبر اللا نهائية، دون أن تنجح في العثور على أحدٍ لمُشاركته أفكارها.

لا بُد أنهم فتَّشوا عناقيد النجوم كما فتَّشنا نحن الكواكب. في كل مكان توجد عوالم، لكنها فارغة أو مسكونة بأشياءٍ زاحفة لا عقل لها. هكذا كانت أرضنا. كان رماد البراكين العظيمة ما زال يُلوِّث السماء عندما بزغت مركبة أبناء الفجر هؤلاء مُنزلقة من الهاوية المُظلمة وراء بلوتو. لقد عبرت الكواكب الخارجية المُجمَّدة، عالمة أن الحياة لا يمكن أن تلعب أيَّ دور في مصائرها. ثم أتت قُبالة الكواكب الداخلية التي تُدفِّئ نفسها حول نيران الشمس في انتظار استهلال قصصها.

لا بُد أن أولئك الهائمون قد وجَّهوا أنظارهم إلى كوكب الأرض، الذي يطوف بسلام في النطاق الضيِّق بين الجليد والنار، ولا بُد أنهم خمَّنوا أنه المُفضَّل من بين أبناء الشمس. هنا، في المستقبل البعيد، سيظهر ذكاء. لكن ما تزال أمام أولئك نجوم لا تُحصى، ورُبَّما لن يتمكَّنوا من العودة أدراجهم عبر هذا الطريق مرَّة أخرى.

لذا تركوا الحارس. واحدٌ من ملايين بعثروها عبر الكون، للسهر على جميع العوالم الواعدة بالحياة. كان منارة تبعث إشارات على مر العصور فحواها يقر بأن لا أحد اكتشفها بعد.

رُبَّما تكون قد فهمت الآن لماذا وُضِع الهرم البلِّوري على القمر بدلًا من الأرض. صُنَّاعه لم يكونوا مُهتمِّين بالأجناس التي تُكافح للتخلُّص من همجيتها. حضارتنا ستثير اهتمامهم فقط إذا أثبتنا قدرتنا على البقاء، عن طريق غزو الفضاء والخروج من الأرض.. مهدنا. هذا هو التحدِّي الذي يجب أن تستوفيه كل الأجناس الذكية، عاجلًا أم آجلًا.

إنه تحدٍّ مزدوج، لاعتماده على أمرين مُتضادين: حصد الطَّاقة الذرية وإخضاعها، وعقد الخيار النهائي بين الحياة أو الموت.

بمجرَّد تخطِّينا تلك الأزمة، يصبح العثور على الهرم وسبر أغواره مسألة وقت فحسب. الآن توقَّفت إشاراته، وأولئك أصحاب الشأن سيديرون عقولهم نحو الأرض. رُبَّما يرغبون في مد يد العون إلى حضارتنا الطِّفلة. لكن لا بُد أنهم قدماء.. قدماء جدًّا.. والشيوخ دائمًا يغارون بجنون من حديثي السِّن.

لم أعد أستطيع النَّظر الآن إلى مجرَّة درب التبَّانة دون التساؤل من أيِّ تلك الغيوم المُتراكمة من النجوم سيأتي المبعوثون. إذا كنت ستعذرني في هذا التشبية التَّافه، فنحن أطلقنا إنذار الحريق، ولم يعُد في جعبتنا شيئًا سوى الانتظار.

ولا أظن أننا سنضطر للانتظار طويلًا.

اضغط للتعليق

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الأكثر قراءة

ميديا ارابيا هو موقع ترفيهى متخصص فى نشر الاخبار الهادفة و الحصرية و الترفيهية و يسعى الموقع لتوفير بيئة تفاعلية و معلوماتية و توفير ربح للناشرين العرب من اجل محتوى فريد من نوعه على شبكة الانترنت.

جميع الحقوق محفوظه ل ميديا ارابيا احدى مواقع شركة Prime MS Limited

للأعلى