كلاسيكيات لاتنسى “Taxi Driver -1976”

كلاسيكيات لاتنسى “Taxi Driver -1976”

taxi_driver_ver1

تقييم IMDB للفلم : 8.3 / 10

تاريخ صدور الفلم : 1976

مدة الفلم : ساعتان

التصنيف : R ( مشاهد عنيفة ولغة بذيئة ومشاهد جنسية )

السيناريو من كتابة

Paul Schrader

الفلم من اخراج

Martin Scorsese

الفلم من بطولة

Robert De Niro

Jodie Foster

Cybill Shepherd

نادرا ما تشاهد فلما يترك في نفسك الاثر والاحساس الغريب وتقلب المشاعر الذي يتركه هذا الفلم . يعد هذا الفلم واحدا من افضل واشهر الافلام التي قدمها لنا مارتن سكورسيزي على طبق من ذهب ، واشعل به نار شهرته وفتح به ابواب النجاح والتقدم .

” هَلْ تتكلم معي؟ حَسناً، أَنا الوحيدُ هنا ” ترافس بيكلي

هذا ليس اقتباسا من الفلم فحسب ، لا ، هذه حقيقة الفلم وروحه . ترافس بيكلي هذه الشخصية اليائسة التي تبحث عن شخص او اي احد يقيم علاقة وتواصل معه يشاركه مشاعره وارائه او حتى يفصح له عما في داخله عن نفسه باي طريقة .

لا يجب ان نتحدث عن فلم “سائق سيارةِ أجرة” كانه فلم لنيويورك وحسب ، لقد سن هذا الفلم تشريعا انطبق على جميع المجتمعات الغربية من الداخل وقد استطاع تعرية حياة الشارع بشكل لم ولن نعهدها ابدا ، انه فلم عن الطقوس التي احاطت بروح هذا الرجل وهذه الحياة التي دمرت كل من دخل اليها وانغمس فيها .قتلة ، قتلة محترفون ومجرمون فظيعون ، يظهرون كالاطفال البريئين في ادنى زوايا الشارع . حياة ملائها الخوف والقتل والدمار والانحطاط ، ضاعت البراءة والصدق وسيطر النفاق والكذب لتضيع الحقوق و ينتشر الظلم . هذه الدراسة الاقرب الى الوثائقية التي تفنن فيها مارتن سكورسيزي ، معرض من اللوحات الفنية اتقن وابدع في انتقاء الوانها ولوحاتها ، شكل مخيف وعالم اخر ، تاريخ رجل عاش الحياة بصيغها المتناقضة . انه بالفعل واحد من اقوى الافلام التي شاهدتها والذي وصل إلى حد القسوة بنبشه تفاصيل ودقائق الشارع النيويوركي القذر و تقديمها بهذا الشكل البشع الموحش.

______________________________________________________

اعتقد ان هذا الفلم هو مادة معروفة درست على مدار سنوات في عالم السينما والفن ، وقد استلهمها بول شرادرز من الفلم الرائع و الذي ابدع في اخراجه جون فورد ” The Searchers ” في 1956 .

__________________

يتكلم فلم ” الباحثون ” عن جون وين الذي شارك في الحرب الاهلية ، والذي اضاع سنوات من عمره بحثا عن ابنة اخيه ديبي ( ناتالي وود ) ، والتي كانت قد اختطفت من قبل احدى القبائل الهندية . فكرة ان ابنة اخيه في ايد هندية كانت تكاد ان تفجر عقله . حتى استطاع ان يجدها في النهاية ، ولكنها تخبره بان الهنود هم اهلها الان فهم الذي ربوها ورعوها ، ومن ثم هربت منه . هذا الامر الذي حطم مشاعره جعل واين يقرر ان يقوم بقتلها انتقاما لما فعلته . وبعد ان استطاع القبض عليها ، يرفعها عاليا ( وفي واحدة من اجمل اللقطات التي شاهدتها ) ويقول لها “ ديبي ، دعينا نعود الى البيت ” .

______________________________________________________

في ” سائق سيارة الاجرة ” ، ترافيس بيكل شاب محدود التعليم , مسالم , لا يبدو عليه ميل نحو العنف ، خدم جيش بلاده في فيتنام ثم انخرط فور عودته في العمل لإحدى شركات الأجرة المتخصصة كسائق تاكسي ، أتاح له عمله هذا رؤية العالم السفلي لمدينته نيويورك التي تشربت الفساد حتى غصت شوارعها بأرباب الرذيلة الشواذ والمومسات وصناع العهر والدعارة، فيشعر بالاشمئزاز واليأس و الإحباط من هذه الحقيقة التي أدركها، وهي أن بلاده، التي حارب من أجلها الأعداء في أبعد حدود الدنيا، سائرة إلى الحضيض في طريقها إلى الانهيار الأخلاقي التام بسبب سوس الفساد الذي ينخر جسدها من الداخل، إن العدو داخلي هذه المرة و أمر مقاومته ومكافحته من أوجب الواجبات . يصادف مومسا طفلة في عمر 12 من عمرها تدعى سمت ايريس ( جودي فوستر ) ، تخضع لسيطرة رجل بل وحش يدعى سبورت ( هارفي كيتل ) . يصمم ترافيس على انقاذ هذه الفتاة من هذا الظلم الذي تواجهه ، ويفعل ذلك من خلال حمام دم لن تجد له نظيرا في افلام سكورسيزي . حتى تصله رسائل وقصاصات شكر من ابويها الذين اغفلوا ابنتهم طوال هذه السنين وهي في عمر الطفولة . وفي النهاية وفي اللقاء الاخير بين ترافيس و سبورت يظهر انها كانت راضية للبقاء معه ، ولكن السبب الحقيقي في تركها البيت لازال غائبا عن اعين الكثيرين .

______________________________________________________

إنّ الرسالةَ المدفونةَ في كلتا الأفلام والتي تجمع بينهما ، رجلِ معزولِ ، غير قادر على تَأسيس عِلاقاتِ طبيعية واجتماعيةِ، يُصبحُ وحيد ، ويشغل نفسه وكل وقته في انقاذ فتاة شابة من الحياة التي تتعارض مع اعتقاداته ومفاهيمه وقيمه . المميز في سائق سيارة الاجرة ان هذه القصة الرئيسية محاطة بالعديد من القصص الصغيرة . فالبنايات المختلفة التي تحكي حجارتها قصص سكانها واهلها . كما ان القصة تحدث في ظل حملة سياسية انتخابية ، فيجد ترافيس نفسه لمرتين مع احدى المرشحين في سيارته ، والذي يعده بان يطهر البلادمن كل الفاسدين والانحطاط الخلقي ، والذي يصفه ترافيس بانه ” الوسخ الذي اعتلى الأرصفة “.

______________________________________________________

الذي يجذبك في هذه الرائعة هو تسلسل المشاعر والحياة النفسية التي عاشها ترافيس والتي اعاد سكورسيزي بثها لنا في الفلم الرائع ” الثور الهائج ” ، فترافيس لم يكن يريد ان ينغمس في الحياة السفلى من هذا الشارع القذر ، لكن تطور الاحداث والوقائع التي عاشها اجبرته على ما لا يريد ، طريقة عرض الحالة النفسية والفسيولوجية .لهذا الشاب الذي اضاعت له الحياة اهم شيء في حياته وتركته في عالم بعيد مليء بالعزلة والصراع النفسي .

______________________________________________________

“سائق سيارةِ أجرة ” هو كابوس مدهش عاشها كل من شاهدها ، وككل الكوابيس الاخرى فهي لا تخبرنا بنصف ما نريد معرفته . فنحن لا نعرف ترافيس من اين جاء ، ماهي مشاكله الحقيقية ، غير ندبته القبيحة التي تركت له ذكرى مرعبة وهي حرب فييتنام . هناك لحظة رائعة اتذكرها في هذا الفلم وهي في احدى اللقطات مع السيناتور التي يكون فيها ترافيس يرتدي نظارة سوداء ، ونظرة سخرية وعذاب غريبة تعتلي وجهه . تلك اللحظة تخبرنا لا شيء وكل شيء : فنحن لا نعرف تفصيلات حياة ومعاناة ترافيس ، ولكن على نحو مخيف نجد ونستخرج منه ما نحن بحاجة اليه . الفلم قطعة نادرة مِنْ تمثيلِ إيحائيِ ، يَختارُ سكورسيزي التفاصيل التي تحاكي المشاعر وتدمي اقسى القلوب وتظهر التاثير الذي يريده . كما لو أنَّ العواطف المطلوبة كُتِبتْ في هوامشِ سيناريو حياتهم : ليعطي الغضبَ ، الخوف ، الفزع ، الكره ، الحقد ، الاحباط ، العفوية و البرائة .

______________________________________________________

مارتن سكورسيزي ، هذا الرجل العملاق الاسطورة التي سيطر على عالم الفن بافلامه الرائعة والابداعية ، قمة في الفن والتانق وروعة التعامل مع الشخصيات بشكل قليلا ما نجد له مثيل ، وهذا ليس جديدا عليه فقد دخل سكورسيزي واظهر نفسه قبل هذه الرائعة بفلمه السابق ( مين ستريت ) هذا الفلم الذي يعد واحدا من اجمل الافلام التي ابرزت الحياة الحقيقية للشارع ليعود بفلمه هذا يؤكد تلك النظرة عن هذا الحياة السفلى التي سلبت براءة الملايين ، تعامل من جديد من دي نيرو ليشكلوا معنا ثنائيا لا يقهر ليرسموا اجمل لوحة في عالم الفن بريشة من الابداع ، اعتقد ان سكورسيزي ، وبغض النظر عن الجوائز التي لم ينلها ، قد فتح بابا خلفيا على عقول تارجحت فيها المشاعر والاحاسيس ، فلم ارتقى فيه سكورسيزي الى ابعد الحدود ، فن لا يوصف في اظهار الاضطراب النفسي والانحطاط وتجريد المجتمع من ملابسه الخارجية التي يخبئ داخلها حياة مناقضة تماما .

______________________________________________________

حملت الموسيقى التصويرية للفلم رونقا خاصة واضفت عليه طابعا مميزا امتزج بالفن والروعة وعبر لك عن الاحداث وتطوراتها وترتبط مع اللقطات بشكل ابداعي وجعلت المشاهد يتفاعل بشكل اكبر مع كل موقف من المواقف الرائعة التي حملها الفلم في طياته ، وهذا الشيء ليس غريبا او جديدا على افلام سكورسيزي .

______________________________________________________

روبرت دي نيرو ، هذا المبدع الكبير الذي تالق في اداء هذا الفلم مثل باقي افلامه الاخرى ، في دور ترافس بيكلي ، استطاع اخراج المشاعر من الصميم ، حياته المتضاربة الممزوجة بكل صنف من اصناف الاحاسيس والاضطراب ، تماما كما يفعل براندو الذي يمحور كل المشاعر في داخله محاولا حجبه عنا . تفان في اداء الدور نادرا ما تجد له مثيلا ، عاش الاحداث والمعاني واقعا في تلك الحياة ، حارب من اجل وطنه وشعبه ليجد ان من حارب من اجلهم هم عبارة عن شعب متدن وساقط ولا يهمه الا تحقيق مصالحه الخاصة ، دون النظر الى الام الاخرين . الندب ، تلك الذكرى والجائزة التي نالها من هذه الحرب والتي تحكي لك قصة من ابشع القصص واصعبها ، قصة معاناة مزجت بشتى انواع الحقد والذي خلق في باطن مليء بالطيبة والحب حوله الى وحش هائج .

______________________________________________________

سيبيل شيبارد ، كالإلاهة الشقراء، التي اختارها بالشكل الصحيح ، كالجليد يَنحسرُ ببطئ نحو الإنسانيةِ. وهناك جودي فوستر ، التي إختارهاَ بشكل مخيف كمومس بعمر إثنا عشرَ ربيعا والتي يريد ترافيس انقاذها . هارفي كيتل ، المحارب في كُلّ أفلامِ سكورسيزي (الذي لعب دور المعتوهَ العَنيفَ في “ألِس لا تَعِيشُ هنا بعد الان ” ) هذا المختل الذي يسيطر عليها ، والذي يملك الصلابة و انعدام الانسانية والتي يخدع بها الجميع .

______________________________________________________

في النهاية ، لا اريد الاطالة عليكم ولكن ككلمة نهائية ، فان هذا الفلم قد شكل مدرسة ونموذجا يحتذى به في الفن والاحياء والقدرة على ابراز حقيقة الناس بشكل مخيف لا يوصف ، وعلما قائما لا يزال يدرس في هوليوود حتى الان .

التعليقات مغلقة.