كيمياء الحب

كيمياء الحب

تعيش المجتمعات حياة مضطربة نفسيا وعاطفيا، تجعل الشخص فيها يخلد كل يوم إلى فراشه يتقلب محتارا بما يسمع ويشاهد، وتستمر تراتيل النصائح في مجتمع تهل عليه بين الحين والآخر، كلهم مشفقون ومحبون له، ولكن لا أحد منهم يعلم حقيقة ما يهذي به.. فتصفو الحياة دون شعور حقيقي بها!

يقول سيد قطب – رحمه الله-: “ليست الحياة بعدد السنين، وإنما الحياة بعدد المشاعر، لأن الحياة ليست شيئا آخر غير شعور الإنسان بالحياة”.

لعل في البحث عن إجابات لتلك التساؤلات التي ابتدأنا بها نجد مبحثا مهما يسمى (كيمياء الحب والعاطفة) وهو يضم هرمونا يدعى “الدوبامين” (dopamine)، ومن المعروف ازدياد نسبته في مراحل الحب الأولى من الانجذاب العاطفي، بينما أكدت دراسة بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو (UCSF) أن الأمر يختلف مع الأزواج وممن تربطهم علاقات “ناجحة” طويلة الأمد.. إذاً ما الذي يحدث؟
وفق الدراسة تبين أن الدوبامين ينقص في أجسادهم، ويزداد هرمون آخر يسمى الأوكسيتوسين (oxytocin).

إن هرمون الأوكسيتوسين له تأثير على السلوكيات الاجتماعية والاستجابات العاطفية التي تساهم في الاسترخاء والثقة والاستقرار النفسي.

و بشكل أبسط

ن نوعين من الكيمياء هنا:
كيمياء الحب (الأشواق واللوعة)، و كيمياء الزواج (العلاقات المستمرة طويلة الأمد) وهما نوعان مختلفان.

من هنا نجد تفسيرا جليا يفسر تحريض البعض ضد فكرة الزواج، ويستشهد بتجربته البائسة، فهو قد وقع في فخ “الانجذاب العاطفي” فقط متجاوزا حقيقة الأمر، حيث يصطدم ذهنيا بفكرة خاطئة لديه وواقع يفرض نفسه عليه.. حينها سيبدأ بلوم نفسه وتقديم النصيحة لك بالعزوف عن الأمر.

ما هو الحب إذا؟ وما هي مراحله؟
أي علاقة مثالية  تمر بثلاث مراحل:

1- مرحلة الانبهار
وهي مرحلة الدوبامين التي تحدثنا عنها؛ في هذه المرحلة تكون القصة في بدايتها، ترى الشخص الذي تحبه وكأنه (كامل) لا نقص فيه، تشعر أنه مختلف عن كل من قابلتهم في حياتك.
هذه المرحلة نتج عنها قصائد الغزل وأغاني الحب، وهي المرحلة الوحيدة التي يركز عليها الإعلام والدراما الرومانسية.

2- مرحلة الاكتشاف 
هي المرحلة الأهم، حيث يتعرف كل من الطرفين على الآخر مع مرور الوقت، حيث إن الوقت هو الضمان الأهم في نجاح أي علاقة، فهو كفيل بأن يكشف عيوب ومزايا الشخص الذي تحبه، وإظهار حقيقة أنه ليس كاملا كما كنت تظن..

يقول د.طارق سويدان:
“إن كل توافق في الصفات والميزات بين الزوجين كفيل بزيادة نجاح العلاقة الزوجية بنسبة 2%”، وهذا ما يتم اكتشافه في هذه المرحلة، فأنت حين تجد أن كل هذا يحدث في علاقتك الجادة فاعلم أنك تسير في الطريق الصحيح، لأنه في هذه المرحلة تختفي الصورة المزيفة (الانجذاب الأعمى) التي كنت تراها في مرحلة الانبهار وسترى الشخص على طبيعته.

هذه المرحلة تتمثل بنوع من الاستقرار والقدرة على اتخاذ بعض القرارات نتيجة لنشاط جزء من الدماغ الذي يعرف بمنطقة القشرة الجديدة (Neocortex)، والذي يعد مسؤولاً عن التفكير.

3- مرحلة التعايش والعِشرة أو الحب الحقيقي

 

يقول الله -عز وجل- : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةًَ) حيث الود وهو خالص الحب والرحمة التي تكون رمزاً للعِشرة فيما بين الزوجين، وهذه المرحلة هي مرحلة ازدياد الأوكسيتوسين، يكون فيها الطرفان عارفين بعيوب بعضهما بشكل كامل، وتكون عندهما القدرة على معايشتها والتكيف معها.

وهنا تأتي المقولة الشهيرة للفيلسوف الأميركي سام كين (Sam Keen):
We come to love not by finding a perfect person, but by learning to see an imperfect person perfectly

هذه المرحلة هي الأصعب في مراحل العلاقات، لأنها تتضمن المجال لحل الخلافات التي تنشب -حتما- بينكما، وكيفية تعامل كل منكما مع عيوب الآخر.

إن مشكلتك ليست سنواتك التي ضاعت.. ولكن سنواتك القادمة التي ستضيع حتما إذا واجهت الدنيا بنفس العقلية.

مشاعرك ستتغير حتما وبطبيعة الحال، فعليك أن تفهم لماذا تغيرت قبل أن تدمر علاقتك أو أن تدمر غيرك بنصائحك، فواقعنا بات مثقلا بقضايا الطلاق والعنوسة أو حتى الاضطراب الأسري نتيجة أسباب كثيرة لعل هذا أهمها..

الحب الحقيقي هو مرورك بجميع مراحل العلاقة بنجاح، لأن هذا يعني أنك عرفت شخصا وأدركت عيوبه وظللت مصرا على الحياة معه رغم كل شيء.

الحب هو استمتاع سودة بإضحاك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو تضحية خديجة بثروتها لأجل رسول الله، وهو عناية أم سلمة برسول الله رغم شيخوختها، هو حضن خديجة للمصطفى الذي طمأنه حينما جاءها خائفاً من الوحي، هو دموع أم حبيبية حينما علمت بخطبة رسول الله لها.

 

 

 

 

 

 

التعليقات مغلقة.